9/06/2017

الثبات في عصر عرائس الماريونيت

كنت أقرأ رواية "المراهق" للكاتب الروسي "دوستويڤسكي"، واستوقفني حديثاً طويلاً دار على لسان البطل يشرح به كيف أنه عهد إلى نفسه -بعد أن أخذ على عاتقه العزم بتنفيذ فكرةٍ ما تدور حول محورها الرواية- أن سينزوي بعيداً عن الناس و المناقشات، بل و قراءة الكتبِ أيضاً، خوفاً من أن يعترضه رأي أو جملة تأثر على فكره و تجعله يعدل عن تنفيذ ما عزم عليه من أمر.

وقفت طويلاً أمام هذا الحديث، ولشد ما توقفت أمام عبقرية الكاتب في خلق هذه الفكرة الذكية بذهن أحد أبطال رواياته، التي تعكس وعيه الكامل بقوة تأثر الإنسان وسهولة انقياده لما قد يقرؤه أو يقع على مسمعه. و راودتني كثير من الأفكار أيضاً، خاصةً وأنا أقرأ رواية كُتبت في القرن التاسع عشر، حيث بدائية التواصل الاجتماعي وانحصارها فقط بالتواصل المباشر بين الأشخاص ومعرفة الأخبار من الكتب والصحف. بينما أنا هنا، شخص، أحيا بالقرن الحادي والعشرين، أكتب مقالاً، سيكن بكبسة زر، متاح قرائته للجميع، وباستطاعة أي شخص أينما كان موقعه على الخريطة، العثور عليه ببحث يسير.

تملكني شعور شديد بالدهشة والشفقة على حالنا ونحن نحيا على مرأى العالم، والصخب يطبقنا من كل اتجاه، صوت هنا وأصوات هناك، أراء سياسية هنا، وأراء اجتماعية هناك. أفكار وعناوين متداخلة ومتضاربة أينما ذهبنا وحيثما كنا. وتسائلت، كيف سيكن الحال بهذا البطل إن فرضنا جدلاً وجوده في هذا العصر الذي نحيا به؟ ماذا وقد راودته فكرته -أيما كانت ماهيتها صائبة أم خاطئة- وقد عقد العزم على تنفيذها؟ أهل كان باستطاعته حمايةً لها أن يسلك ذات السلوك؟ أن يترك النقاشات والمحادثات؟ أن يعتكف بعيداً عن مواقع التواصل الاجتماعي ويسد أذنيه عن أحاديث متناقضة لا تنتهي؟

حقيقة الأمر، لا أعلم! ولا علم لي كيف كان لدوستويڤسكي أن يعالج الأمر إن كان قد قُدِّر له كتابة الرواية في أحداث يدور فلكها في القرن الحادي والعشرين.


قد يترائى للذهن "الزاوية الوردية" للموضوع، نظير ماذا لو كانت الأفكار التي تلح عليه خاطئة؟ وقد لحقه رأي معاكس له في مضمونه، إيجابياً وبه من القوة ما يرغمه على تغيير مساره وإبعاده عمّا قد يضر به.
رأي صائب وإن كان بعيداً عن مضمون الحديث. فالأمر هنا ليس بصدد مناقشة ماهية الأفكار والنوايا إن كانت صائبة تستحق العناء والمثابرة، أم خطأ تستحق ردعها بأفكار أخرى معاكسة لها. الأمر هنا متعلق بالمبدأ بكينونته، والإقرار بأن الإنسان كائن قد يسهل التأثير عليه، وجرفه عن أفكاره إلى أفكار أخرى تتتعارض جل التعارض عن رواسخه ومبادئه.

أطرح هذه التساؤلات وقد أصبح الجميع يتحدث بلسان ما يقع عليهم من مواقع التواصل الاجتماعي. ابتداءً من الأراء بتنوعاتها الاجتماعية والسياسية، التي باتت مستقاة من وابل المنشورات التي تقذف علينا من كل حدب وصوب. و انتهاءً بالمزاح الذي لم يعد بتلقائيته المعهودة و أصبح مستمداً من نكات نحفظها جميعاً عن ظهر قلب -من فرط إعادة نشرها على الصفحات مراراً- و أصبحت "النكتة" التلقائية المفاجأة مفهوم قديم نسيه الكبار و قد لم يمر بخاطر جيل الصغار.

أين أنت؟ وأين أنا؟ أو بالأحرى من أنت؟ ومن أنا؟ هل نحن نحن أم نحن صور متناسخة لكلينا وكلينا نسخ لما يُقذف علينا؟
أين أراؤك وأين أرائي؟ هل الرأي رأيُك والرأي رأيي؟ أم أنها غرائب قذفت علينا من حيث لا ندري وخُزِّنت في لا وعينا؟
ما الصواب وأين الخطأ؟ أهل ما تعلمته هو الصواب وما تتصفحه كل يوم هو الخطأ؟ أم أن الزمان قد تغيَّر والأفكار بدورها تجددت وتغيرت؟

من عليه الإجابة والإنصاف لتلك الأسئلة هو في الحقيقة "أنت". أنت من يحدد إلى أي مدى سمحت وتسمح لذاتك بالتأثر لما يقع بين يديك؟ و أنت من يحدد متى عليك التراخي لأسباب حددها "عقلك" لا ضعفك؟ أنت من يحدد مدى قوتك، وأنت من عليك الثبات. في وقتٍ الجميع يدلي فيه برأيه، والجميع يحتفظ بفكره على مرأى الجميع لا على الورق خاصته. الكل يعلن عن موقفه جهاراً ابتداءً من محدود الثقافة إلى من يحمل شهادات عُلا، وقد تحول العالم من قرية صغيرة منفتحة على العالم إلى حارة ضيقة منفتحة على كل الثقافات والطبقات.

ليس المقصد هنا صم الأذان وكتم الأفواه والتنحي عمّا يفرضه العصر بطبيعة الحال. المغزى هو إشعال ضوء أحمر يذكرك أن قف، واسمع ذاتك أولاً. قف وافتح خلايا عقلك قبل قراءة أي رأي آخر. قف واسترجع إيمانياتك ورواسخك قبل السير في أي طريق مهما بدا زاهياً. اقرأ بعقلك المشهد أولاً قبل أن توافق ذاك أو ترفض تلك.اقرأ الكتاب أولاً ثم اسمع أراء من قاموا بقرائته قبلك. شاهد الفيلم بنفسك أولاً، واسمع رأي عقلك وروحك، ثم اسمع رأي من شاهدوه قبلك. كن رحالة ذاتك في البلدان التي شددت الرحال إليها ثم اسمع بعد إذن من شدوا إليها الرحال قبلك.

كن سباق ذاتك، ثم يأتي الجميع. كن ثابتاً، مستقراً، حازماً، مثابراً، ولا تكن إمعة في زمن أصبح فيه البشر عرائس ماريونيت بخيوط السوشيال ميديا.

كريمان حامد




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق